أخبار البنوك والاقتصاد في مصر لحظة بلحظة

هشام عز العرب.. أيقونة لا تغيب شمسها

في القطاع المصرفي، قد تصنع الاستراتيجيات بنوكاً ناجحة، لكن القادة الاستثنائيين وحدهم هم من يصنعون مؤسسات تبقى، وعلى مدار عقود، لم يكن هشام عز العرب مجرد مصرفي بارز، بل تحول إلى مدرسة إدارية متكاملة أعادت تعريف معنى القيادة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتعقيداً.

فهناك من يدير الأرقام، وهناك من يمنحها اتجاهاً ومعنى.. ينتمي «عز العرب» بوضوح إلى الفئة الثانية، إذ ارتبط اسمه بالبنك التجاري الدولي «CIB» ارتباطاً حياتياً، حتى بدا البنك في كثير من الأحيان انعكاساً لفلسفته المهنية القائمة على الانضباط، والاستباق، وبناء الثقة قبل تحقيق الأرباح.

لم يقدم نفسه يوماً باعتباره رئيساً تنفيذياً تقليدياً، بل كقائد يرى في البنك كياناً حياً يتطور مع المجتمع، ومن هذا المنطلق تبنى مبكراً فلسفة الاستدامة والابتكار الهادئ، ذلك النوع من الابتكار الذي لا يسعى للضجيج بقدر ما يركز على صناعة أثر طويل المدى.

«القيادة الحقيقية لا تظهر في أوقات الرخاء، بل في القدرة على تحويل التقلبات إلى فرص للنمو»..جملة تلخص إلى حد بعيد النهج الذي رسخه عز العرب داخل «CIB»، حيث لم يكن التوسع هدفاً في حد ذاته، بل نتيجة طبيعية لمؤسسة تعرف كيف تدير المخاطر بقدر ما تلاحق الفرص.

وعندما يتحدث «عز العرب»، ينصت الجميع ليس فقط لمنصبه، بل لخبرة تمتد لنحو خمسة عقود بين المراكز المالية الكبرى من لندن إلى نيويورك.. خبرة صقلت رؤية تتسم بالهدوء التحليلي والوضوح، وتستند إلى قناعة راسخة بأن الثقة هي الأصل الأكثر قيمة في العمل المصرفي.

ورغم المكانة التي كرستها مجلة جلوبال فاينانس بمنحه جائزة الإنجاز مدى الحياة في عام 2025، فإن ما يميز «عز العرب» ربما هو قدرته على كسر الصورة النمطية للمصرفي المنعزل، فهو قائد رقمي يتابع تفاعلات العملاء، يصغي، ويتدخل حين يلزم، مدركاً أن مستقبل البنوك يكتب اليوم بلغة التكنولوجيا وتجربة المستخدم.

ففي عصر السرعة، تصبح البنوك التي لا تقترب من عملائها أبعد مما تتخيل.. وهذه البساطة الواعية تفسر جانباً من حضوره القيادي إذ يجمع بين خبرة تشكلت داخل مؤسسات مالية عالمية مثل جي بي مورجان ودويتشه بنك، وبين تواضع مهني يدرك أن نمو المؤسسات يبدأ غالباً من التفاصيل الصغيرة، وربما لذلك قفزت أصول البنك التجاري الدولي إلى نحو 1.442 تريليون جنيه بنهاية 2025 .. كرقم لا يعكس حجماً مالياً فقط، بل يعبر عن ثقة سوق تراكمت عبر سنوات من الإدارة المتزنة.

فمنذ تخرجه في جامعة القاهرة عام 1977، لم تكن مسيرته مجرد صعود وظيفي، بل مشروعاً طويل الأمد لبناء بنك بمعايير عالمية على أرض مصرية. وخلال قيادته، ارتفعت القيمة السوقية للبنك من قرابة 200 مليون دولار إلى أكثر من 6 مليارات دولار، ليتحول «CIB» من لاعب محلي قوي إلى مؤسسة إقليمية ذات حضور مؤثر، وأحد الأعمدة الرئيسية في البورصة المصرية.

هذا النجاح جعل انتخابه رئيساً لاتحاد بنوك مصر لدورتين متتاليتين خطوة بدت أقرب إلى الإجماع المهني، في دلالة على مكانته بين قادة القطاع قبل أن تعكسها المؤشرات المالية.

وحتى عندما ابتعد عن الإدارة المباشرة لتأسيس شركته «HE Advisory» الاستشارية والعمل مستشاراً لمحافظ البنك المركزي المصري، لم يغادر تأثيره المشهد، وعندما عاد في سبتمبر 2024 إلى موقعه رئيساً تنفيذياً للبنك التجاري الدولي، بدا الأمر كما لو أن المؤسسة تستعيد أحد أهم مهندسي مراحلها التحولية.

وجاءت نتائج 2025 لتؤكد صلابة هذا النهج؛ إذ سجل البنك نمواً في صافي الأرباح بنسبة 49% ليصل إلى 82.2 مليار جنيه- أرقام تعكس عقيدة إدارية تقوم على التحوط الذكي، والاستثمار في رأس المال البشري، والرهان المبكر على التكنولوجيا، وهو ما أسهم في وصول عدد مستخدمي المنصة الرقمية إلى نحو مليوني مستخدم.

اليوم، ينظر إلى هشام عز العرب كأحد أكثر الوجوه المصرفية المصرية حضوراً على الساحة الدولية؛ صوت يستدعى في لحظات التحول، وقائد يجيد مخاطبة الأسواق بلغة تجمع بين الواقعية والطموح.

في النهاية، قد يمكن قياس أداء البنوك بالأرباح والقيم السوقية، لكن تأثير القادة يقاس بشيء آخر أكثر ندرة وهي قدرتهم على بناء مؤسسات تظل قوية حتى في غيابهم، وهنا تحديداً تبرز بصمة هشام عز العرب: قيادة هادئة، رؤية طويلة، وأثر يتجاوز الزمن.