حسين أباظة.. مهندس الثقة المصرفية
في القطاع المصرفي، لا تقاس القيادة بعدد السنوات في المناصب التنفيذية، بل بقدرتها على تحويل الأرقام إلى مؤشرات قوة مستدامة، ومنذ تولي حسين أباظة القيادة التنفيذية لبنك القاهرة، لم يكن المشهد مجرد انتقال إداري، بل بداية مرحلة إعادة تموضع استراتيجية لمؤسسة مصرفية عريقة.
يحمل أباظة تكوينا مهنيا متعدد الأبعاد، تخرج في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، قبل أن يخوض تجربة مصرفية دولية في مراكز المال العالمية بلندن ونيويورك وسويسرا وبلجيكا.
هذه الخبرة العابرة للحدود صقلت فهما عميقا لثقافة الائتمان وإدارة المخاطر، ووفرت له منظورا عالميًا أعاد توظيفه داخل السوق المصرية.
فعلى مدار أكثر من 25 عامًا في البنك التجاري الدولي، لعب «أباظة» دورا محوريًا في ترسيخ مدرسة ائتمانية صارمة، وكان أحد المساهمين الرئيسيين في تطوير برنامج التدريب الائتماني، انطلاقًا من قناعته بأن قوة أي بنك تبدأ من جودة قراراته الائتمانية.
هذه التجربة منحته ما يمكن وصفه بـ«رؤية 360 درجة» للقطاع المالي، خاصة مع توليه سابقًا رئاسة قسم البحوث والعضو المنتدب لإدارة الأصول بالمجموعة المالية هيرميس، حيث جمع بين انضباط العمل المصرفي التقليدي وديناميكية أسواق المال.
نتائج العام المالي لبنك القاهرة 2025 جاءت لتؤكد أثر هذه الرؤية. فقد سجل بنك القاهرة صافي أرباح بعد الضرائب بلغ 16.1 مليار جنيه، بنسبة نمو 30% مقارنة بالعام السابق. كما ارتفعت الإيرادات التشغيلية إلى 41.5 مليار جنيه، بزيادة 20%، فيما نما صافي الدخل من العائد بنسبة 21% ليصل إلى 34.1 مليار جنيه، مدعومًا بتحسن أداء قطاعات التجزئة المصرفية، وائتمان الشركات، والخزانة.
هذه الأرقام لا تعكس فقط نموًا في الربحية، بل تشير إلى كفاءة تشغيلية أعلى، وإدارة متوازنة بين التوسع المدروس وضبط المخاطر،وهي معادلة لطالما شكلت جوهر فلسفة أباظة القيادية: المغامرة المحسوبة دون التفريط في الاستدامة.
وما يميز تجربة «أباظة» هو تحويل إدارة المخاطر من وظيفة رقابية إلى أداة استراتيجية، فبدلاً من الاكتفاء بحماية المركز المالي، جرى توظيف الانضباط الائتماني كمنصة للتوسع الآمن، وهو ما عزز ثقة العملاء والمستثمرين في توقيت واحد.
كما أولى اهتماما بتعزيز كفاءة رأس المال وتنويع مصادر الدخل، بما يحد من الاعتماد المفرط على مصدر واحد للإيرادات، ويمنح البنك مرونة أكبر في مواجهة التقلبات الاقتصادية.
وتحت قيادته، لا يبدو أن بنك القاهرة يركز فقط على تحقيق أرباح قياسية، بل على بناء نموذج مصرفي متكامل يجمع بين النمو، والحوكمة، والكفاءة التشغيلية.
فالرهان لم يعد على النتائج قصيرة الأجل، بل على ترسيخ مكانة البنك كمؤسسة قادرة على المنافسة المستدامة في سوق يتسم بتحديات متسارعة.
إن قصة حسين أباظة مع بنك القاهرة ليست مجرد فصل جديد في مسيرة مهنية حافلة، بل هي برهان عملي على أن المؤسسات الكبرى لا تشيخ إذا ما توفرت لها رؤية تجيد قراءة المستقبل، فبين صرامة الائتمان وطموح التوسع، استطاع أباظة أن يعيد صياغة جينات الأداء داخل البنك، ليثبت أن النجاح المستدام لا يتحقق بالركض خلف الربح السريع، بل بتشييد حصون من الثقة والكفاءة، تجعل من الأرقام القياسية مجرد نتيجة طبيعية لمنهج لا يقبل بغير التميز سبيلاً.







