عاكف المغربي.. معماري التطوير المصرفي
لم يكن وصول عاكف المغربي إلى قمة القيادة في بنك قناة السويس مجرد انتقال مهني بين مؤسسات مصرفية كبرى، بل بدا أقرب إلى إعلان بداية مرحلة جديدة في مسار بنك عريق يسعى إلى إعادة صياغة موقعه داخل خريطة القطاع المصرفي المصري.
فـ «المغربي» لا ينتمي إلى مدرسة القادة الذين يكتفون بقراءة المؤشرات من خلف المكاتب، بل يتحرك بعقل استراتيجي يرى في كل مؤسسة مشروعًا قابلًا لإعادة البناء.
ومنذ أيامه الأولى، تعامل مع البنك باعتباره منظومة ديناميكية يمكن تحرير طاقاتها عبر مراجعة نموذج الأعمال، وتحديث أدوات التشغيل، وترسيخ قناعة مؤداها أن العلامة التجارية ليست شعارًا بصريًا بقدر ما هي رصيد تراكمي من ثقة العملاء.
لهذا لم يكن مستغربًا أن يبدأ عهده بتقييم شامل للبنية التشغيلية، واضعًا الابتكار في صدارة معادلة التطوير، انطلاقًا من إيمانه بأن المؤسسات التي لا تجدد أدواتها تفقد تدريجيًا قدرتها على المنافسة، مهما بلغت قوة تاريخها.
في شخصيته القيادية يلتقي انضباط المؤسسات المالية الدولية بمرونة الفكر الريادي؛ فمنذ خطوته الأولى في بنك قناة السويس في أبريل 2024، بدا واضحًا أن طموحه يتجاوز حدود التغيير الشكلي نحو بناء هوية مصرفية أكثر اتصالًا بإيقاع العصر، حيث لم يكن الهدف تحديث الواجهة، بل غرس ثقافة تحول تجعل من البنك منصة مالية متكاملة تجمع بين الصلابة الرأسمالية والسرعة الرقمية.
ضمن هذا التوجه جاء إطلاق شعار «عالمك في مكان واحد» في عام 2025، لا باعتباره رسالة تسويقية، بل تعبيرًا عن رؤية تسعى إلى نقل البنك من دور مقدم الخدمات إلى موقع الشريك المالي القادر على مرافقة العميل في تفاصيله اليومية واستحقاقاته الاستثمارية.
تشكلت ملامح هذه الرؤية عبر مسيرة دولية ثرية، بدأت في «سيتي بنك» حيث أمضى ستة عشر عامًا متنقلًا بين مراكز مالية متعددة من المنامة إلى الرياض ثم القاهرة. هناك تشكل وعيه بأسواق تتغير باستمرار، وتعلم أن الأرقام القياسية ليست هدفًا قائمًا بذاته، بل مؤشرًا على سلامة الاتجاه الاستراتيجي.
وقد منحته إدارته لمحفظة تجاوزت ثلاثة مليارات دولار في البحرين، إلى جانب قيادته إصدارات سندات سيادية لمصر بقيمة 1.5 مليار دولار، تلك القدرة على التمييز بين النمو العابر والنمو القابل للاستدامة. بالنسبة له، لم تكن الصفقات الكبرى مغامرات محسوبة بقدر ما كانت اختبارات حقيقية لقدرة المؤسسات على العمل وفق معايير عالمية.
وعند محطته المؤثرة في بنك مصر، لم يظهر كنائب لرئيس مجلس الإدارة بالمعنى التقليدي، بل كمخطط معماري لمرحلة توسع لافتة، أسهم خلالها في مضاعفة الأصول ودعم توجهات التحول الرقمي، فضلًا عن المشاركة في تنفيذ استحواذات بارزة مثل «سي آي كابيتال»، تجربة رسخت لديه قناعة بأن التوسع الذكي لا يتحقق فقط بضخ الاستثمارات، بل ببناء نموذج تشغيلي قادر على استيعاب النمو.
هذه الخبرات المتراكمة جعلته يدخل بنك قناة السويس وهو يمتلك تصورًا واضحًا لكيفية توظيف التقنيات المتقدمة وفي مقدمتها تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل صميم العمل المصرفي، ليس فقط لرفع الكفاءة التشغيلية، بل لإعادة تشكيل تجربة العميل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على البعد الإنساني الذي يبقى عنصرًا حاسمًا في بناء الولاء.
وجاءت نتائج عام 2025 لتعكس ملامح هذا التوجه. ففي غضون عام واحد، ارتفع المركز المالي للبنك بنحو 50% ليبلغ 270 مليار جنيه، في نمو لافت تحقق رغم بيئة اقتصادية عالمية تتسم بقدر كبير من التقلب.
كما سجلت الودائع نموًا بنسبة 54% لتصل إلى 209 مليارات جنيه، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من ثقة السوق، ويشير إلى نجاح استراتيجية استقطاب السيولة وتوجيهها بكفاءة. هنا لا يبدو المغربي مجرد مدير لمؤسسة مصرفية، بل قائدًا لمنظومة نمو تدرك بدقة أين تكمن الفرص وكيف يمكن تعظيمها.
وامتد هذا الأداء إلى الربحية، حيث بلغ صافي الأرباح 6.4 مليار جنيه بزيادة 13%، مدفوعًا بارتفاع صافي الدخل من العائد بنسبة 56% ليصل إلى 8.6 مليار جنيه. وهي مؤشرات تعكس فعالية توجه يرتكز على تنويع مصادر الدخل وتعزيز حضور البنك في قطاعات الشركات والتجزئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يدعم ارتباطه المباشر بالاقتصاد الحقيقي.
غير أن قراءة تجربة «المغربي» لا تكتمل عند حدود الأرقام، فخلف هذا الأداء تبرز شخصية القائد المؤسسي الذي يوازن بين إدارة بنك ينمو بوتيرة متسارعة، والمساهمة في دوائر أوسع من التفكير الاستراتيجي. تعكس عضويته في مجلس أمناء الأكاديمية الوطنية للتدريب، إلى جانب مشاركاته في مؤسسات دولية مثل «Africa50» وغرفة التجارة الأمريكية، تقديرًا مهنيًا يتجاوز حدود المؤسسة التي يقودها.
من هذا المنظور، لا يظهر عاكف المغربي كرئيس تنفيذي ناجح فحسب، بل كأحد الأصوات المهنية التي يُستأنس برؤيتها في ملفات التمويل والاستثمار والتكنولوجيا، وهو ما يضفي على مسيرته طابعًا يتجاوز النجاح التنفيذي إلى التأثير في تشكيل توجهات القطاع.
اليوم، يكتب «المغربي» فصلًا جديدًا في تاريخ بنك قناة السويس، مستندًا إلى رؤية تدرك أن المستقبل المصرفي لن يكون امتدادًا مباشرًا للماضي، بل نتاج قدرة مستمرة على التكيف وإعادة الابتكار. لذلك يمضي في بناء هوية مؤسسية أكثر مرونة، وأقدر على الاستجابة لتحولات سوق تتسارع إيقاعاته.
وبهذا المعنى، فإن ما تحقق لم يكن مجرد نمو في المؤشرات، بل خطوة ضمن مسار أوسع يعيد تعريف ما يمكن أن يبلغه بنك عندما تتوافر له قيادة واضحة الاتجاه، ورؤية لا تنظر إلى التغيير بوصفه خيارًا بل ضرورة دائمة.







