عمرو الشافعي.. عبقري القيادة الحديثة
في صياغة المشهد المصرفي الحديث، لا تُقاس قيمة القيادات بقدرتها على إدارة الأصول، بل بقدرتها على قراءة ما وراء الأرقام واستشراف ما قبل المنحنيات، فخلف كل قفزة نمو حقيقية، تقف هندسة قرار تعرف كيف توازن بين التحوط والجرأة، وبين الطموح والانضباط.
وفي قلب هذا التحول الاستراتيجي، يبرز اسم عمرو الشافعي، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لبنك الإمارات دبي الوطني – مصر، كأحد أكثر العقول المصرفية قدرة على تفكيك المشهد وإعادة تركيبه وفق معايير عالمية لا تعرف الحلول الوسط.
عند تحليل شخصيته من منظور مدرسة الإدارة، نحن أمام استراتيجي ميداني لا تنظيري؛ صاغته مدارس العمل المصرفي الدولي في «سيتي بنك» و«باركليز» و«HSBC»، قبل أن يترك بصمته في مؤسسات بحجم البنك الأهلي المصري وبنك القاهرة. رحلة صنعت منه قائدًا يؤمن بأن النتائج لا تُترك للمصادفات، بل تُبنى على كفاءة تشغيلية صارمة ورؤية طويلة المدى.
الشافعي لا يتعامل مع التكنولوجيا كواجهة عصرية، بل كأداة مضاعفة للقيمة، لذا لم يكن التحول الرقمي لديه مشروعًا تجميليًا، بل رافعة نمو حقيقية أعادت تعريف العلاقة بين البنك وعميله، وبين المؤسسة وسوقها. فالتكنولوجيا في معادلته ليست خيارًا، بل بنية تحتية للثقة والسرعة والشفافية.
وتتحدث أرقام 2025 بوضوح: صافي أرباح يبلغ 6.1 مليار جنيه بنمو 15%، أصول تقفز إلى 208 مليارات جنيه بزيادة 31%، وحقوق ملكية تنمو 32%، مع عائد استثنائي على متوسط حقوق الملكية يصل إلى 33%. هذه ليست مجرد مؤشرات أداء، بل شهادة على إدارة تعرف كيف تنمّي الثروة دون أن تفرّط في صلابة المركز المالي.
لم يكن الشافعي عابرًا في تاريخ البنك، بل أعاد تعريف موقعه في السوق. حول ودائع تجاوزت 170 مليار جنيه إلى طاقة تمويلية فاعلة، ضخت أكثر من 96 مليار جنيه في قطاعات الأعمال، لتتحول المؤسسة إلى منصة تمويلية مؤثرة في معادلة التنمية الوطنية.
وإذا كان كثيرون يقيسون نجاح القيادات بحجم الأرباح، فإن الشافعي يقيسه بصلابة النمو واستدامته. فهو ينتمي إلى مدرسة تؤمن بأن التوسع الحقيقي لا يكون أفقيًا فقط بزيادة الحصة السوقية، بل رأسيًا عبر تعميق الكفاءة وتعظيم جودة المحفظة.
لذلك بدا واضحًا أن استراتيجيته لا تلاحق الأرقام بقدر ما تصنع بيئة تجعل الأرقام نتيجة طبيعية لانضباط القرار وجودة التنفيذ، وهنا تتحول الإدارة من وظيفة إلى منظومة تفكير متكاملة.
كما أن حضوره داخل المؤسسة لا يقتصر على موقع تنفيذي، بل يمتد إلى صناعة ثقافة عمل تؤمن بالمساءلة والسرعة والابتكار، فهو يدرك أن البنوك في عصر ما بعد الرقمنة لم تعد كيانات تقليدية ثقيلة الحركة، بل منصات مالية ديناميكية تتنافس على تجربة العميل بقدر ما تتنافس على العائد.
لذلك جاء الاستثمار في التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات، وتعزيز منظومة الحوكمة، كأضلاع مثلث يضمن للبنك قدرة مستمرة على التكيف مع تحولات السوق، مهما تسارعت.
وفي سياق اقتصادي يتسم بالتقلبات الإقليمية والضغوط العالمية، يبرز الشافعي كقائد يجيد إدارة المخاطر بوعي استباقي لا بردود أفعال. فهو لا يراهن على دورة صعود مؤقتة، بل يبني نموذجًا تشغيليًا قادرًا على امتصاص الصدمات وتحويل التحديات إلى فرص.
وهنا تتجلى قيمة الخبرة الدولية التي صقلته؛ إذ تبدو قراراته وكأنها تتحرك على خريطة أوسع من حدود السوق المحلي، واضعة البنك في موقع يوازن بين الانتماء الوطني والامتداد العالمي.
إنه يمارس القيادة كمن يدير أوركسترا اقتصادية دقيقة يضبط الإيقاع أولًا، ثم يترك كل رقم يؤدي دوره في تناغم محسوب.







