أخبار البنوك والاقتصاد في مصر لحظة بلحظة

عبد الحميد أبو موسى.. هرم الصيرفة الإسلامية

في ساحات الاقتصاد المصري، ثمة أسماء لا تُقرأ كمجرد مناصب قيادية، بل تُدرس كظواهر مؤسسية استطاعت تطويع الزمن وصناعة الفارق، حيث يقف عبد الحميد أبو موسى، محافظ بنك فيصل الإسلامي المصري، كحارس أمين لهوية مصرفية استثنائية، استطاع عبرها أن يبرهن على أن الإدارة الرشيدة هي الكيمياء الوحيدة القادرة على تحويل “المستحيل” إلى واقع ملموس، وصياغة ما يوصف بالمعجزات في عالم المال والأعمال.

ولم يكن جلوس “شيخ المصرفيين” على سدة قيادة هذا الصرح العريق منذ عام 1994 مجرد استمرارية إدارية، بل كان تدشيناً لمشروع تنموي لقطاع بأكمله، إذ دخل الرجل قلعة البنك وفي جعبته إرث ثري تمثل في 16 عاماً من العمل في كواليس البنك المركزي المصري، فمزج ببراعة صرامة الرقيب بمرونة المبتكر، واستطاع على مدار ثلاثة عقود أن يقود البنك بروح “المؤلف” الذي يكتب فصولاً من النجاح وسط أعاصير اقتصادية عاتية، محولاً الصيرفة الإسلامية من مجرد ملاذ بديل إلى قوة ضاربة ومحرك رئيسي في السوق المصرفي.

وتتجلى عبقرية أبو موسى في كونه “العلّامة” الذي نجح في حل المعادلة الصعبة بين الأصالة والمعاصرة، حيث أضفى على بنك فيصل روح التكنولوجيا الرقمية الأحدث في العالم، مقدماً حلولاً مالية تتوافق مع الشريعة الإسلامية دون أن تفقد بريق الحداثة.

فهو لا يرى التكنولوجيا كأداة صماء، بل كجسر يربط بين انضباط المنهج وبين طموحات الأجيال الجديدة، وهو ما جعل اسمه مرادفاً لكل قصة نجاح تُروى عن الصيرفة الإسلامية في المنطقة العربية، ومدرسة تتلمذ على يديها أساطير القطاع المصرفي.

وعلى صعيد الاستراتيجية الاستشرافية، لم يكتفِ أبو موسى ببناء صرح مصرفي ، بل صاغ بذكاء القيادي “فلسفة التمكين” التي جعلت من بنك فيصل الإسلامي لاعباً محورياً في الاقتصاد الكلي، إذ لم تكن التوسعات الرقمية والقفزات في أرصدة التوظيف والاستثمار التي بلغت 235 مليار جنيه مجرد أرقام عابرة، بل كانت انعكاساً لعقيدة إدارية تؤمن بأن المصرف ليس مجرد خزينة للأموال، بل هو شريك في التنمية وصانع للفرص، وهو ما تجلى في قدرته على الحفاظ على وتيرة نمو تصاعدية في أصعب المنعطفات التي مر بها الاقتصاد العالمي، محققاً معادلة النمو الآمن والربحية المستدامة.

هذا الحضور الطاغي لـ “شيخ المصرفيين” في المحافل الدولية، كعضو بمجلس المعايير المحاسبية والمراجعة بالبحرين ومجلس الخدمات المالية الإسلامية بكوالالمبور، منحه قدرة فائقة على استيراد أفضل الممارسات العالمية وتوطينها في السوق المصرية بصبغة محلية فريدة.

فأصبح الرجل يمثل “الرادار” الذي يلتقط تحولات الصناعة المالية قبل حدوثها، ومزج بين خلفيته الأكاديمية الرفيعة من جامعة القاهرة وجامعة لويجي بوكوني في ميلانو وبين خبرته الميدانية العميقة، ليقدم نموذجاً للمصرفي المثقف الذي يطوع العلم لخدمة الاقتصاد، ويحول الخبرة إلى مرجعية ملهمة لكل من يطرق أبواب الصيرفة الإسلامية.

وإذا كان البيان يُقاس بالنتائج، فإن أرقام يناير 2026 تمثل وثيقة تفوق وقعها أبو موسى بمداد من الثقة، حيث قفز حجم أعمال البنك إلى 262 مليار جنيه، وسجلت حقوق الملكية ارتفاعاً قياسياً بنسبة 34.6% لتتجاوز 37 مليار جنيه، في حين تعاظمت قاعدة العملاء لتصل إلى نحو 2.5 مليون حساب، وهي أرقام تعكس قدرة الرجل على اختراق النسيج الاجتماعي المصري وإقناع الملايين بجدوى نموذجه الاقتصادي القائم على التنمية والتوظيف الرشيد للأموال.

ويمتد ظل عبد الحميد أبو موسى أبعد من الحدود المحلية، فهو “السفير” فوق العادة للصيرفة الإسلامية في المحافل الدولية، من جنيف إلى المنامة، ومن جدة إلى كوالالمبور، حيث تتردد أصداء خبرته التي تتجاوز 45 عاماً في مجالس إدارة كبرى المؤسسات المالية العالمية، ليبقى “أستاذ الأجيال” الذي أثبت أن السمت الأخلاقي في الإدارة هو أعلى درجات الاحترافية، وأن الإرث الحقيقي لا يُقاس بالسنوات، بل بالبصمة التي تتركها القيادة في وجدان المؤسسة وفي مسيرة الوطن.